في كتابة المذكرات
الدكتور أحمد مهساس أكاديمي ومجاهد
الحديث عن كتابة المذكرات كمساهمة في كتابة تاريخ الحركة الوطنية يطرح إشكاليات كثيرة ومعقدة لها ارتباط بميلاد الحركة الوطنية نفسها، وصعوبة كتابة تاريخ هذه الفترة، وأنا وإن لم أنشر لحد الآن كتاب مذكرات شامل يلخص تجربتي ومسيرتي، إلا أنني أنجزت الكثير من الكتب منها كتاب ''الجزائر ثورة وديمقراطية''، الذي صدر باللغة الفرنسية منذ سنين طويلة وكنت آمل أن تصدر ترجمته العربية المنجزة حتى يكون في متناول أجيال الاستقلال، لكن صدوره تعطل لأسباب لا أعلمها·
وحتى تكون الصورة أوضح عن المشكلة التي نعاني منها في هذا المجال، فأعتقد أن المشكلة ليست في كتابة المذكرات في حد ذاتها فقط وإنما الأمر له علاقة كبيرة بالنشر والتوزيع، وأنا أعلم أن الكثير من الكتابات في هذا الشأن تعاني من سوء توزيع حتى لا أقول من انعدامه·
لقد كانت كتابة المذكرات محور تفكيري لمدة طويلة، وحاولت تجريب أساليب شتى في هذا المجال منها الشهادة بالصورة والصوت وقد استأجرت كاميرا وبدأت تسجيل تجربتي على مراحل، بداية من مرحلة ما قبل الثورة التحريرية منذ بداية النضال منذ سنة 1940 إلى التاريخ الذي سبق انطلاق الثورة مباشرة، وفعلا انطلقت في التأريخ بالصورة والصوت لتلك المرحلة، لكني لم أتمكن من إنجاز بقية المراحل، فالأمر كان في غاية الصعوبة ويحتاج إلى جهود مؤسسات، وهو الأمر الذي مازلت احتاج إليه في إنجاز بقية العملية، ورغم صعوبة المهمة إلا أني أساهم بطريقة أو بأخرى في التأريخ لتلك المسيرة الطويلة حتى تكون المادة في متناول المؤرخين المهتمين بالحركة الوطنية·
ومن جهة أخرى فأنا من خلال مساهماتي في الكتابة ابتعدت قليلا عن الجانب الشخصي المحض من تجربتي الذي قد لا يهم كثيرا، وأوليت اهتماما كبيرا بالجانب الإنساني للثورة بمفهومه الشامل· فأنا وإن كنت لا أومن بالزعامة في الثورة، أؤكد بأني شاهد ومهندس للثورة التحريرية وهو ما أعمل على تبيانه من خلال نشر الحقيقة التي أعمل في سبيلها، ودون السعي إلى الشهرة الشخصية أعمل على نشر تلك الحقائق التي كنت شاهدا عليها وفاعلا في سيرورتها، وقد وجدت في موقعي على الأنترنيت وسيلة لنشر هذه الأفكار في ظل مشكلة الطبع والتوزيع المستعصية التي نعاني منها في بلادنا·
فكتابة المذكرات وإن كان أمرها سهلا من الناحية النظرية إلا أنه عمليا من الصعب تجسيدها، فالأمر معقّد كثيرا، لكنه واجب على أي حال، فالمذكرات مادة أساسية لكتابة التاريخ ولو بعد حين، فصانعو التاريخ والشهود عليه لابد وأن يقولوا كلمتهم بمختلف الوسائل، حتى تكون شهاداتهم تلك في متناول المؤرخين، فكتابة التاريخ تبدأ من هنا، بعد أن تدرس تلك الوثائق والشهادات في الجامعات ويطبق عليها المنهج العلمي·
"الجزائر نيوز" بتاريخ26-01- 2008