|
|
الدكتور أحمد مهساس أكاديمي ومجاهد في الإعلام والثورة
"الجزائر نيوز" بتاريخ 09-02- 2008
كانت للثورة الجزائرية استراتيجية إعلامية منذ البداية، فرغم أن الاستعمار الفرنسي كان يمتلك إعلاما بمقاييس عالمية إلا أننا استطعنا أن نحقق نصرا إعلاميا تلو الآخر رغم أن الوسائل التي كنا نستعملها أقرب إلى البدائية، فالمسألة في النهاية ليست تقنية فقط، بل الاستراتيجية الإعلامية ينبغي أن تبنى في إطار عمل سياسي شامل، خاصة إذا كانت القضية التي يدافع عنها عادلة وهو ما جعلنا بتلك الوسائل نتغلب على الاستعمار بترسانته المعروفة·
مرة قال الرئيس الراحل هواري بومدين بشان الإعلامي الجزائري الذي كان يمثل ''صوت الجزائر''، في إذاعة ''صوت العرب'' من القاهرة، إنه لعب دورا يمثل 50 بالمئة من الثورة نفسها، ولو أن ذلك التصريح كان من باب الدبلوماسية إلا أنه كان يعبّر عن التأثير الإعلامي الكبير في مسيرة الثورة، تلك الاستراتيجية التي كان لي شرف المساهمة فيها من خلال تأسيس مجلة ''المقاومة'' في تونس لأول مرة وهي المجلة التي سبقت مجلة ''المجاهد''· ورغم الوسائل البسيطة التي كانت تستعمل في إصدارها إلا أن تأثيرها كان كبيرا، فقد أبرزنا الطابع الإنساني للثورة الجزائرية، وبالمقابل استطعنا أن نبيّن الوجع البشع للاستعمار الوحشي، ورغم أننا لم نكن نتوفر على طاقات صحفية كبيرة إلا أننا لم نكن نواجه صعوبات من ناحية الأقلام التي كانت تكتب، فالصدق ونبل القضية هو الأهم في هذا الشأن·
وقبل الثورة كانت لنا تجربة إعلامية أذكرها الآن، فرغم الظروف الصعبة إلا أننا أصدرنا جريدة من صفحة واحدة، يحررها المناضلون في حزب الشعب اسمها ''الوطن''، وكانت تطبع بمطبعة صغيرة جدا، يمكن حلها باليد، وتنقل من مكان إلى آخر، وبعدها فكرت مع بعض المناضلين في سرقة مطبعة متطورة من عند الكولون وتسخيرها لأهدافنا النضالية، لكن تلك الفكرة اصطدمت بواقع وهو كيفية التهريب، فمن السهل حينها اكتشاف أمرنا بسهولة، وساعتها نخسر المطبعة ونخسر كل شيء، ومن ثـم عدلنا عن فكرة الاستيلاء على تلك المطبعة الضخمة، واستمر عملنا بتلك الآلة الطباعية الصغيرة، وكانت بالفعل ذكرى جميلة وتبيّن مدى اهتمام الحركة الوطنية بهذا القطاع الحساس، ومع الثورة كان الإعلام يمشي مع السلاح جنبا إلى جنب، وكل منها كان يكمّل الآخر·
وفيما يخص محتوى الإعلام عند الاستقلال، فقد كان من الصعب جدا ملء الفراغ الذي تركه المعمرون الذين كانوا نخبة مدربة على أعلى مستوى تركوا فراغا كبيرا كان يجب ملؤه، وبالفعل رغم تواضع الإمكانيات، فالإرادة كانت كبيرة في تسيير قطاع الإعلام· أما عن محتواه، فقد كانت تجابهه تحديات كبرى خاصة مع الأزمة التي عرفتها البلاد عشية الاستقلال خاصة مع الانقسام الذي عرفته القوات، ورغم ذلك استمرت المسيرة الإعلامية التي كانت في الثورة بوسائل قليلة جدا وساهمت فيها المرأة كما ساهم الرجل·