|
|
![]() |
|
|
|
أخبار اليوم - 2008/01/17 حاوره م. صيادي-الجزائر أحمد مهساس التاريخي المعروف ووزير سابق في حكومتي بن بلة وبومدين، يتحدث في قضايا كثيرة وتستوقفه الأزمة، ويقول بأننا نجونا من محاولة إلغاء مجتمع من الوجود. يتحدث عن الفساد والحرڤة والتيار الإسلامي في الجزائر والعالم الإسلامي. علمنا أنكم لم تتحصلوا على معاشكم التقاعدي لمدة ثلاثة أشهر في المدة الأخيرة. لماذا؟ حتى الآن، لم أعرف سبب ذلك. حاولتُ معرفة الأسباب بالبحث في جميع المراتب المالية المرتبطة بدفع المعاشات. وأعتبر أن هذه الفعلة من عمل الطابور الخامس، الذين لا تعجبهم سيرتي. جيلنا أصبح الآن جيلا غير مرغوب فيه وفي وجوده. هناك تطورات كبيرة حدثت في الجزائر وصادفت طموحات كبيرة ورغبة البعض في الإبقاء على الاستعمار. وأنا من الذين يؤمنون بأن البلاد لا بد أن تعيش حرة مستقلة. وهل تعتقدون أن الطابور الخامس، الذي تحدثتم عنه، قوي إلى هذه الدرجة؟! الطابور الخامس يؤثر؛ لأن الطاقة الأساسية المضادة لمثل أنواع هذه الطوابير والتدخلات في البلاد، هي طاقة شعبية معزولة جراء كثرة المشاكل والمعاناة، فلم يعد لها الوقت الكافي للشعور بالخطر. السيد مهساس... وماذا عن المبادرة ضد الفساد، التي أطلقتموها رفقة رئيس الحكومة الأسبق أحمد بن بيتور؟ أين وصلت الأمور؟ والله، لم نذهب بعيدا. بعد المحاولة الأولى ودراسات قمنا بها، وجدنا أن الفساد له أصول في بعض هياكل السلطة والدولة. وظهر لنا أن محاربة الفساد بوسائلنا البسيطة جدا أمر مضحك؛ لأن أي إنسان لا يملك أسباب القوة لا يمكنه محاربة فساد منظم في هياكل كبيرة في الاقتصاد والتجارة والمالية والثقافة. ولهذا نحن نطلب من المسؤولين في الدولة القيام بواجبهم في محاربة الفساد، وهي محاربة تدخل في التسيير العادي لشؤون الدولة والحكم. لكن لكي آخذ المسؤولية في هذا المجال وأخلق آمالا عند الناس في الموضوع، يبدو لي أن ذلك مستحيل وتركنا الأمور تسير. لِم منعت وزارة المجاهدين أحد كتبكم؟ قضية كتبي معقدة؛ هناك كتاب يُمنع بصفة غير رسمية، وهناك ما يُمنع بنوع من الحيلة؛ وذلك باستخدام حيلة التوزيع بمجرد طبعه؛ فتكون العراقيل في التوزيع؛ حيث يصعب نشر كتاب معروف، حتى وإن طُبع لا تجده في المكتبات! في نظرك، ما الداعي إلى الحد من انتشار كتاب من تأليفك؟ يتوقف ذلك على المحتوى والأفكار التي يحملها والصراع الحالي حول المواقف. وإن كان هذا الصراع موجودا على مستوى عالمي إلا أنه في بلادنا يكاد يتحول إلى ظاهرة؛ إذ تعمل جهات على محاربة السيرة التي لا تتفق معها في الطرح والأفكار! من المفروض أن يعامَل الكتاب مثل البضائع التي يتم توفيرها في السوق. وعلى القارئ اختيار البضاعة التي تناسبه وتلبي رغباته. هل هذا نقد مباشر لوزارة المجاهدين؟ لا، وزارة المجاهدين لا دخل لها في هذا المشكل؛ لأن الأمر يتجاوزها، الأمر آتٍ من فوق؛ وهو عالم آخر! كيف تفاعلت مع تصريح الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد، الذي قال إن وفاة هواري بومدين تشبه وفاة ياسر عرفات؟ يبدو لي أن هذا الكلام ليس فيه جديد؛ لأن الإشاعة حول وفاة هواري بومدين متداوَلة وموجودة منذ وفاته وحتى الآن. كان واجبا على الشاذلي بن جديد أن يوضح وفاة بومدين بشكل أكبر. بمعنى... كان عليه أن يفتح تحقيقا في ظروف وفاة هواري بومدين. وأظن أن لجان التحقيق في البلاد عادة ما تنصَّب، ثم لا نعرف لها نتائج. ومن جهة أخرى، أعتقد بأنه كان على الرئيس الشاذلي بن جديد أن لا يغتنم فرصة وجود البلاد في ظروف صعبة، في محاولة تبييض المدة التي قضاها مسؤولا أوّلا في الجزائر. مسؤولونا لا يعرفون النقد الذاتي؛ كل واحد يأتي يقول بأنه أنجز الكثير والمهم، وهذه »الإنجازات« أوصلتنا إلى الأزمة التي نعيشها الآن! ولكن من هو المؤذي مادام الجميع أخيارا؟! إذا عدنا إلى 1978 حين كنت منفيا في الخارج. هل لكم أن تعطونا الرواية الشائعة عن وفاة بومدين؟ في الواقع، كان يساورنا شك في وفاة بومدين. في ذلك الوقت بدأت تظهر إشاعات عن وجود هيئات ومؤسسات عالمية تخطط لاغتيال المناهضين للإمبريالية، أو ترى فيهم خطرا على استراتيجيتها. مثلا... الذين كانوا ضد الأمبريالية والذين لم يخضعوا لمشاريع القوى العظمى في العالم الثالث بعد التحرر، حتى قضية وفاة جمال عبد الناصر تدور حولها الشكوك بالنسبة لي شخصيا. من هي هذه المؤسسات التي قررت التصفية؟ الاستخبارات الأمريكية وما يشابهها. نحن نرى اليوم أن العالم يركز على بوش، بينما بوش ما هو غير واجهة. هذه المؤسسات تملك من الوسائل ما يجعلها صانعة القرار في النهاية. من يستمع لمهساس يجد في كلامه كلمات عادة ما تتكرر، مثل الحڤرة والتهميش... هل تُحس بأنك مهمَّش فعلا؟ الحڤرة لا أحس بها فقط، بل هي واقع. وسيرتي السياسية فيها صعاب بما أنني اخترت هذه الطريق؛ على أساس تقديم الحقائق وعدم التلاعب بها مهما كانت الظروف. جيلنا قدم عهدا للشعب وأوصلنا إلى تقديم تضحيات كبرى، والعهد مازال قائما. الوضع الأمني كيف ترونه؟ النظام في السنوات الأخيرة أنجز بعض الأمور التي تلبي طموح الشعب الجزائري. لكن هذا الأمر ثانوي مقارنة بمسألة المعيشة والاستقرار والسكن والطرقات والمواد الغذائية... الجميع يشتغل في هذه الميادين للوصول إلى تحقيق الاستقرار الاجتماعي؛ سواء كانوا ثوريين أو رجعيين أو وطنيين أو حركى. الأهم الآن هو إيجاد هندسة اجتماعية خاصة. سوء التسيير أوصلنا إلى الأزمة. نجونا من محاولة إلغاء مجتمع من الوجود، وبقيت لدينا مشاكل تعالَج بحلول دقيقة. نحن الآن نعيش فترة تراخت في الطاقات الوطنية، بسبب اليأس الذي طالها، ولم تخلّفها طاقات قادرة على تحمّل المسؤولية... ... استُخلفت بالحراڤة والانتحاريين؟ هذا رد فعل مجتمع لا يريد أن يموت. بالنسبة لي، عندما تكون أزمة البلاد وصراع كل شريحة تُبدي غضبها؛ إما بالانتقاد أو بالمظاهرات وغيرها، وشرائح أخرى ترد بطرق عنيفة؛ وهذا بدل مجتمع يتعذب كثيرا وليست لديه قنوات تعبيرية. أما الأحزاب فليست معبّرة عن المجتمع بهذا الشكل. في فترة الإرهاب، كان استخدام القوة هو حديث الجميع، ولكن اكتشفوا أن ذلك غير كاف، فلجأوا إلى الحل السياسي، وهذا الحل السياسي منقوص اليوم. أيدنا الحل السياسي طوال هذه المدة؛ والنقص في هذا الحل مازال قائما. البعض يعتقدون أن القمع سيقضي على الإسلاميين، بل على العكس، لا أحد يستطيع القضاء على الإسلاميين؛ لأن التيار الإسلامي يكبر ويطور نفسه، واليوم أصبح لديه كوادر وعلماء في كل المجالات، لم تكن لديه في السابق. ويخطئون عندما يحاربون التيار الإسلامي بدعوى الإرهاب، وهي »عبقرية« أنتجتها الدول الغربية في مسعاها لمحاربة الإرهاب الدولي. لكن هذا التيار الذي تصوره قويا انهار في العراق بسبب الطائفية؟ هذا موجود ومن تناقضاته، الاستعمار يغلّظ التناقضات الموجودة في التيار الإسلامي. إذا أجرينا دراسة سنلاحظ أن التيار الإسلامي يشهد تناقضات في باكستان وإيران وتركيا، ولكن في نفس الوقت يقدم تجارب جديدة، وهي تجارب تتقدم. في هذا التقدم، كما تقولون، توجد حركات راديكالية؟ بطبيعة الحال، تتكون حركات راديكالية؛ لأن في العالم مضادات لها تريد القضاء عليها براديكالية أيضا. مسؤولو التيار الإسلامي في كل مكان اليوم ليسوا في حالة دفاع عن الإسلام والتيار الإسلامي؛ لأنهم كقوة عالمية موجودة وتؤثر إعلاميا. شيء طبيعي أن لا يقبل هذا التيار أنواع الاستعمار في البلاد العربية والإسلامية؛ نحن مررنا بالتجربة. كان لدينا جمعيات وأحزاب دينية مشوا مع الاستعمار، حاربناهم. مخلفات الاستعمار تعتقد اليوم بأن الإسلام تجاوز الزمن؛ وهذا خطأ كبير. التناقضات الموجودة في المجتمعات الإسلامية تحمل بذور التغيير من خلال التجارب التي حدثت. التجربة الإيرانية والتركية أثبتت أن التغيير قادم من العالم الإسلامي. في فرنسا، صدرت دراسة حديثة حول الفرنسيين من أصول إسلامية، وجدت أن الذين يذهبون لأداء مناسك الحج كل عام من هؤلاء، هم في الغالب الشباب المتكوّنون؛ الذين أثبتوا أنفسهم في عملهم وفي المجتمع؛ أي أن حجاج فرنسا من هذه الفئة هم خيرة أبناء الجالية المسلمة هناك.
|